Facebook

الفلسطينيون والعرب وعملية ابتزاز تاريخية


مع تواصل الجهد الدولي والإقليمي من أجل تحضير الميدان والأطراف لتحقيق اختراق تاريخي في ملف الصراع العربي - الإسرائيلي، ومن خلال مفاوضات سريعة ومعروفة النتائج، مع تواصل هذا الجهد، تتبدى ملامح عملية تضليل كبيرة، تحيك خيوطها النافذة في الملف الشرق أوسطي.

الحكومة الإسرائيلية التي تدرك أكثر من غيرها، مدى حاجتها للولايات المتحدة، وأوروبا الغربية، تعلن الأسبوع الماضي، قراراً، بمواصلة الاستيطان لبناء ألفين وخمسمائة وحدة سكنية على اعتبار أنها مقررة سابقاً وتنتظر التنفيذ.

غير أن ما يؤكد الرفض الإسرائيلي لوقف الاستيطان، هو قرار آخر اتخذته حكومة نتانياهو بإنشاء مستوطنة جديدة في منطقة غور الأردن، وإضافة نحو خمسمائة وحدة سكنية جديدة بذريعة النمو الطبيعي.

ولا يمكن فهم سياسة الابتزاز التي تمارسها إسرائيل، إلا حين نقف على حقيقة ما تقوم به الدولة العبرية من إجراءات شاملة، ومتسارعة لتهويد القدس، التي يقول وزير الخارجية الإسرائيلي افيغدور ليبرمان إن حكومته لا تسمح بمناقشة موضوع وقف الاستيطان فيها مع أي طرف.

ويبدو أن إسرائيل هي الطرف الوحيد الذي يحتاج الوقت، ويستفيد من كل لحظة تمر، إنها أي إسرائيل مستعدة لشراء الوقت، ففي كل ساعة يزداد عدد المستوطنين في الضفة، وتتسع المشاريع الخدمية لصالحهم، ويتسع البناء الاستيطاني ومصادرة الأراضي.

وفي كل لحظة يتواصل بناء جدار الفصل العنصري، الذي قال ليبرمان إنه يشكل حدود الدولة الفلسطينية، هذا الجدار الذي يفعل فعله في تقسيم المقسم الفلسطيني وتحويل المدن الفلسطينية في الضفة إلى بانتستونات يفصلها عن بعضها ويفصلها جميعاً عن القدس.

في كل ساعة تتخذ إسرائيل إجراءات لطرد فلسطيني من القدس أو منع فلسطيني من العودة إلى بيته، أو مصادرة بيته أو عقاره تحت ذرائع مختلفة، وفي كل ساعة يتمدد فيها الوجود الاستيطاني واليهودي ليزحف على قلب القدس الشرقية، فيما يعزل جدار الفصل العنصري بعض التجمعات السكنية الفلسطينية ذات الكثافة العالية عن القدس المدينة من بعض الجهات، ويجري توسيعها من جهات أخرى تتصل بالأحزمة الاستيطانية.

إسرائيل تستثمر الوقت، ولا تضيع لحظة إلا وتعمل فيها من أجل تغيير معالم المدينة، وإقامة الحفريات، تحت المسجد الأقصى، والأماكن الدينية الأخرى، ومن أجل كسر الميزان الديمغرافي لصالح الأكثرية اليهودية، وإلى أن يتعذر عن من يعرف القدس القديمة سابقاً، أن يتعرف عليها اليوم.

الإجراءات الإسرائيلية الوقحة والمتحدية، جاءت في سياق وعد كاذب أطلقه نتانياهو بأنه مستعد لتعليق الاستيطان في الضفة الغربية لمدة تسعة أشهر. هكذا تتصرف إسرائيل كدولة فوق القانون، رغم ما يقوله وزير خارجيتها العنصري المتطرف ليبرمان من أن مشكلة بلاده هي في أنها بحاجة إلى الولايات المتحدة.

والسؤال إذا كانت إسرائيل بحاجة إلى الولايات المتحدة بمعنى أنها لا تستطيع أن تعيش، أو تواصل سياستها العنصرية بشكل مستقل عن الولايات المتحدة، فما الذي يجعلها تتحدى الموقف الأميركي الذي يطالبها بتجميد كل أنشطتها الاستيطانية، وهو الموقف ذاته الذي أعاد التأكيد عليه الأسبوع الماضي وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي الذين اجتمعوا في بروكسل؟

وما الذي يجعل إسرائيل أيضاً تتجاهل إقدام المبعوث الأميركي لعملية السلام السيناتور جورج ميتشل على إلغاء زيارته لإسرائيل والمنطقة التي كانت مقررة الأسبوع الماضي، وذلك احتجاجاً على الموقف من الاستيطان.

تكاد لا تنتهي التساؤلات، التي لا تجد لها إجابات شافية ومقنعة لتفسير السلوك الإسرائيلي الوقح الذي يتحدى الإرادة الدولية، ومواقف وسياسات بلدان حليفة وداعمة لإسرائيل، وآخرها إلغاء وزير الخارجية التركي زيارته لإسرائيل احتجاجاً على رفضها نيته بزيارة قطاع غزة، تضامناً مع أهلها.

إسرائيل تتحدى كل الثوابت الفلسطينية وتُصادر حقوق الفلسطينيين وأرضهم وحياتهم، وتتحدى كل العرب، وتريدهم أن يخضعوا دون ثمن لإرادتها في تطبيع العلاقات معها، وتتحدى منذ قيامها الأمم المتحدة وقراراتها ومواثيقها، وهي الآن تتحدى حلفائها الأميركيين والأوروبيين، والأتراك وغيرهم، فهل هي لا تدرك ما تفعل أم تدرك بأنها ستكون بمنأى عن العقاب؟

الأرجح أن قادة الكيان الصهيوني، ليسوا أغبياء إلى حد خضوع مغامرة تحدي العالم على هذا النحو، الأمر الذي يدعونا للتساؤل حول مدى جدية المجتمع الدولي بشأن سياسته ومواقفه، ونقصد خصوصاً الولايات المتحدة، التي تملك القدرة على تغيير السياسات والمواقف الإسرائيلية، والتي تمتنع حتى الآن عن ممارسة ضغوط حقيقية على حليفتها.

في الواقع هنا يكمن جوهر عملية الابتزاز الكبرى، إذ أن الإدارة الأميركية تتواطأ مع إسرائيل وتتناوب معها الأدوار من أجل توظيف تعنتها الظاهري، وتحديها للمجتمع الدولي، لإقناع أو دفع العرب، لتقديم أثمان باهظة، بذريعة المساعدة على تليين الموقف الإسرائيلي من الاستيطان.

الإدارة الأميركية لم تتوقف عن مطالبة العرب، أو بعضهم على الأقل، للمبادرة واتخاذ إجراءات تطبيعية مع إسرائيل قبل أن تبدأ المفاوضات، ولإسقاط هذا الغرض بما يجرد العرب والفلسطينيين من بعض أهم أسلحتهم التفاوضية. إذا نجحت الإدارة الأميركية في ذلك، فإنها ستتبع لاحقاً تبادل الأدوار مع إسرائيل لانتزاع شروط أخرى من العرب أهمها التنازل عن حق عودة اللاجئين، والاعتراف بالطابع اليهودي لإسرائيل، مما يعني نكبة أخرى للفلسطينيين.

ومن الواضح أن الإدارة الأميركية تعمل وفق معادلة للتسوية، تسمح للفلسطينيين بالحد الأقصى الحصول على دولة ذات مواصفات تصفها وتتحكم فيها إسرائيل ودون أية حقوق أخرى، وبما يؤدي إلى إدماج إسرائيل في المنطقة بكاملها وفتح كل الأبواب أمامها.

ثمة مشكلة أساسية في طبيعة السياسة الأميركية والأوروبية، من حيث انها غير عادلة وغير متوازنة، وهي منحازة تاريخياً لصالح إسرائيل، ولكن المشكلة الأساسية هي في ضعف وتشتت العرب ومحدودية خياراتهم وفي انقسام وضعف الفلسطينيين.

_______

طلال عوكل

كاتب ومحلل سياسي - غزة


Share on Google Plus

About Unknown

This is a short description in the author block about the author. You edit it by entering text in the "Biographical Info" field in the user admin panel.
    Blogger Comment
    Facebook Comment

0 التعليقات:

إرسال تعليق

أضف تعليق