ولعلنا نذكر انه عندما زار الرئيس الأمريكي باراك اوباما القاهرة وألقى خطابه الشهير الذي وجهه إلى العالم الإسلامي من جامعة القاهرة لم يرد أي ذكر من جانبه أو من جانب المسؤولين - أمريكيين ومصريين على السواء- لهذا الجانب من العلاقات المصرية الأمريكية.
وبعد ذلك عندما كانت زيارة الرئيس المصري حسني مبارك لواشنطن، وبكل ما أحيطت به من اهتمام - خاصة من الجانب المصري- فإن أحداً من الجانبين لم يذكر شيئا عن التحالف العسكري بين مصر والولايات المتحدة (..)
وعلى العكس من ذلك فإن توجيه الانتباه إلى التحالف العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة أمر مستمر سواء من الجانبين المعنيين أو من جانب الدول العربية. تلك التي ترتاح إلى هذا التحالف أو على الأقل لا تنتقده (وهذا ينطبق على مجموعة حكومات الاعتدال العربية) أو تلك التي تعتبره خطراً على الأمة العربية وأساساً للتواطؤ الأمريكي- الإسرائيلي على الأمن الاستراتيجي العربي، وأساساً للتأييد الأمريكي لإسرائيل في صراعها ضد العرب.
وكما هي الحال في كل التحالفات العسكرية الثنائية فإن أهم أنشطة التحالف المصري- الأمريكي في جانبه العسكري يتمثل في المناورات التدريبية العسكرية المشتركة التي تجري بصفة دورية على ارض مصر وفي قواعدها الجوية وفي مياهها الإقليمية. ولعل اسم «النجم الساطع» الذي يطلق على المناورات التدريبية المشتركة في مصر قد اكتسب قدرا محدودا من الشهرة لا يتناسب مع حجم هذه المناورات والنمو الكبير الخطير الذي جرى فيها منذ ان جرت للمرة الأولى.
ولقد جرت مناورات «النجم الساطع» للمرة الأولى في مصر في عام 1981، نتيجة اتفاق مصري- أمريكي أعقب مباشرة توقيع مصر على اتفاقات «كامب دافيد» مع إسرائيل عام 1979 تحت إشراف أمريكي. ويصف المحللون الأمريكيون مناورات «النجم الساطع» بأنها نتيجة مباشرة لاتفاقات «كامب ديفيد»، التي برهنت من وجهة نظرهم على «ان مصر أصبحت جاهزة لتعاون عسكري واضح مع الولايات المتحدة لدعم التعاون الاستراتيجي بينهما في صيانة امن المنطقة»... وذلك بعد ان «أزاحت مصر من إستراتجيتها الأمنية مهام المواجهة العسكرية مع إسرائيل».
اما الجانب المصري فإنه يفضل ان يربط مناورات «النجم الساطع» المشتركة مع الولايات المتحدة بجانب آخر من تطورات حقبة السبعينيات من القرن الماضي، فهو يعتبرها نتيجة ليس فقط لتوقيع مصر على معاهدة السلام مع إسرائيل، انما نتيجة لمستوى الأداء العسكري المصري العظيم في حرب تشرين 1973، وهو الأمر الذي أهّل مصر لمشاركة الولايات المتحدة في تحمل المسؤولية الإقليمية والدولية... مسؤولية الدفاع عن امن منطقة الشرق الأوسط.
وإذا كانت هذه المناورات التدريبية المشتركة قد بدأت ثنائية (مصرية- أمريكية) عام 1981 وكانت سنوية بينهما... إلا أنها لم تلبث ان اتسعت لتشمل عددا من الدول الأخرى الحليفة للولايات المتحدة في المنطقة وفي أوروبا. وتطورت لتصبح أضخم مناورات تدريبية تجري في أي مكان من العالم. وبعد ان كان هدفها - في عهدها الثنائي- «تقوية الروابط بين العسكريين المصريين والأمريكيين والبرهنة على، وتعزيز، قدرة الأمريكيين على دعم حلفائهم في الشرق الأوسط في حالة نشوب حرب، فإن الفترة التي أعقبت «حرب تحرير الكويت» من الاحتلال العراقي عام 1991 (العملية التي أسميت آنذاك «عملية عاصفة الصحراء»)، شهدت انضمام إحدى عشرة دولة وسبعين ألف عنصر إلى هذه المناورات.
انضمت الى البلدان المشاركة في هذه المناورات التدريبية كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا والمملكة المتحدة (بريطانيا) واليونان والأردن والكويت والإمارات العربية المتحدة. وبينما كانت «النجم الساطع» في فترتها الثنائية تقتصر غالباً على المناورات البرية فإنها اتسعت في السنوات التالية لتشمل تدريبات للقوات الجوية والبرية والبحرية. وأصبحت تعتبر «المنهج الرئيسي للقيادة المركزية الأمريكية لبناء تعاون واستعداد بين هذه البلدان المتحالفة في منطقة الشرق الأوسط ومحيطها»... حسب ما تقول البيانات الصادرة عنها من القيادة المركزية الأمريكية.
وتؤكد معلومات «القيادة المركزية» ان التركيز في تدريبات «النجم الساطع» هو على «التدريب الائتلافي العملياتي... بهدف تعليم هذه البلدان كيفية تنفيذ العمليات فيما بينها في زمن الحرب وبيئة الحرب، والمناورات القيادية المصممة لمساعدة إجراءات القيادة والتحكم، بالإضافة الى مجال واسع للتدريب الميداني على الممارسة العملية دوماً».
وحدث تطور لافت آخر في مناورات عام 2000 إذ أرسلت 32 دولة مراقبين إلى هذه المناورات، كان بينها السعودية والجزائر والبحرين وعمان وقطر وتونس وسوريا واليمن وباكستان وتركيا واسبانيا. وفي تلك المناورات جرى «السيناريو» على أساس ان دولة معادية أطلق عليها اسم «اورانج لاند» (بلاد البرتقال) شنت هجوما كان القصد منه «السيطرة على نهر النيل». وكانت خطة المناورة التدريبية تقضي بأن تعمل الدول المشاركة على ممارسة القتال في البر والبحر والجو للدفاع عن النيل وطرد الدولة المعادية المعتدية.
وبلغ عدد القوات الأمريكية التي شاركت في مناورات «النجم الساطع» عام 2001 (وعلى الرغم من أحداث 11 أيلول 2001) 23 ألف جندي، وأصبح الهدف تقوية الروابط العسكرية مع الدول العربية (وليس مع مصر فحسب). وقبل ان يحين موعد مناورات خريف عام 2003 أعلنت القيادة المركزية الأمريكية انها مضطرة إلى إلغائها بسبب انشغالها بأحداث العراق وأفغانستان التي شكلت «التزامات عسكرية ضخمة»على هذه القيادة.
اما مناورات «النجم الساطع» لعام 2009 فقد بدأت يوم 16 تشرين الأول على أساس «سيناريو» يجمع لها «قوات من أنحاء العالم تشكل جبهة مشتركة لتبدأ مناورات عسكرية متعددة الجنسيات بالقرب من مدينة الإسكندرية المصرية». وقد تضمنت هذا العام عملية قفز إستراتيجية من الجو لأكثر من ثلاثمئة عنصر من الفرقة الأمريكية الثانية والثمانين المحمولة جوا مع أعداد من المظليين من مصر وألمانيا والكويت وباكستان. وفي الوقت نفسه تجري عملية إنزال لمشاة البحرية الأمريكية (المارينز) من وحدة المارينز الثانية والعشرين يشترك فيها أكثر من ألف عنصر، وذلك في منطقة العلمين الساحلية المصرية، التي كانت مسرحاً لعمليات ضخمة بين جيوش ألمانيا النازية وجيوش الحلفاء إبان الحرب العالمية الثانية.
وتشمل مناورات هذا العام - للمرة الأولى- مناورة قيادة تستخدم فيها أجهزة الكومبيوتر لتبادل المعلومات والقدرات بين الجنود المشاركين مع استخدام «تكتيكات متقدمة» بهدف «تطوير ائتلاف أفضل في ظروف بيئة طوارئ».
وقد صرح متحدث باسم الجيش الأمريكي الثالث المشارك في مناورات هذا العام بأن مناورات «النجم الساطع» أصبحت الآن «جوهرية لبناء فريق دولي، وسيكون لها تأثير إيجابي في الاستجابة العسكرية العالمية والإقليمية. » لقد أصبحت أطول المناورات التدريبية عمراً في العالم... إذ انها تجري باستمرار - كما ذكرنا- منذ عام 1981. ويجدر بالذكر انها أجريت طوال هذه السنوات الثماني والعشرين تحت القيادة نفسها، وهي «القيادة المركزية» الأمريكية وإن يكن منصوصاً في أدبياتها على انها تجري تحت إشراف «هيئة أركان الحرب المشتركة الأمريكية» وتجري بالتنسيق مع قيادة سلاح الجو الأمريكي في أوروبا، ومركز التعاقد البحري الأمريكي في نابولي (إيطاليا)، ومقر قيادة مشاة البحرية الأمريكية، وكتيبة الطوارئ التسعمئة التابعة للجيش الأمريكي ومقرها معسكر كامبل بولاية كنتوكي.
وتقضي القواعد الإجرائية لهذه المناورات بأن تتولى الدولة المضيفة (مصر) مسؤولية توفير الطعام والإسكان ومصادر المياه في الصحراء والمواقع المتعددة في أنحاء مصر. كما تعد الدولة المضيفة مسؤولة عن امن العناصر المشاركة والعناصر التي تتولى التغطية الإعلامية.
ان اهتمامنا بذكر هذه التفصيلات الدقيقة هو لأنها تدل على أهمية هذه المناورات من ناحية، وتقدم - من ناحية أخرى- الأدلة على اتساع نطاق التحالف العسكري بين مصر والولايات المتحدة. الأمر الذي لا يحظى باهتمام كاف... خاصة إذا قورن بالاهتمام - أحيانا- بما قد ينشأ من خلافات أو اختلافات بين القاهرة وواشنطن بشأن أمور تتعلق بالسياسة الخارجية، مثل العلاقات مع الدول الأخرى، أو تتعلق بالسياسة الداخلية (المصرية طبعاً) مثل أوضاع الديموقراطية وحقوق الإنسان في النظام المصري.
ويجدر بالذكر هنا ان مناورات «النجم الساطع» أجريت في مصر أربع مرات خلال فترة رئاسة جورج بوش الابن من دون ان يبدو انها تأثرت بأية خلافات بين القاهرة وواشنطن. وكانت المرة الوحيدة التي ألغيت فيها - كما سبق ان ذكرنا- هي مناورات عام 2003 لأسباب وصفتها القيادة المركزية بأنها قهرية وترجع الى التزامات أمريكا الكثيفة العسكرية في أفغانستان والعراق. فلم يكن لمصر أي دخل بالإلغاء.
مع ذلك فإن مناورات «النجم الساطع» لهذا العام قد ميزها حدث غير مسبوق... وإن يكن حدثا يتعلق مباشرة بها.
ففي الوقت الذي كانت تجرى فيه المناورات بدأت إسرائيل والولايات المتحدة (في يوم 20/10/2009) «اكبر مناورات عسكرية مشتركة بينهما لمدة أسبوعين بمشاركة عدد من وحدات الجيشين الأمريكي والإسرائيلي». وقد أطلق عليها اسم مناورات «جونيفر كوبرا»، وأعلن انها تنطوي على «تدريبات على سيناريوهات تتعرض فيها تل ابيب لهجمات صاروخية من جانب إيران وسوريا ولبنان (حزب الله) وغزة (حركة حماس). ويشارك في هذه المناورات 1500 جندي أمريكي و17 قطعة بحرية أمريكية مزودة بأحدث المنظومات المضادة للصواريخ الباليستية... كما تشارك فيها منظومات صاروخية دفاعية إسرائيلية وبطاريات أمريكية من طراز «باتريوت» المضادة للصواريخ.
وفي اللحظة الراهنة لا نملك الا ان نتساءل اذا كان توقيت هذه المناورات في وقت واحد مع مناورات «النجم الساطع» هو محض صدفة... ام انه فعل مدبر لأهداف التنسيق الإقليمية والدولية؟ ان التتبع الواعي لتطور مناورات «النجم الساطع» يبعث على الاعتقاد بأن ثمة اتجاهاً نحو إشراك إسرائيل فيها... في البداية بصفة غير مباشرة، وربما بصفة مباشرة بعد ذلك. وربما يشير الإجراء التركي الأخير الذي الغى الاشتراك بين تركيا وإسرائيل في مناورات عسكرية - الأمر الذي جرى لأكثر من عشر سنوات مضت - الى احتمال إدخال إسرائيل طرفاً في «النجم الساطع» مستقبلاً.
هذا مجرد احتمال... إنما تدل مؤشرات عديدة على انه احتمال لا يمكن استبعاده كما كان يستبعد في الماضي.
د. سمير كرم
التجديد العربى
0 التعليقات:
إرسال تعليق
أضف تعليق