Facebook

العولمة من رؤية فرنسية

العولمة من رؤية فرنسية

تآكل المصالح الفرنسية بين العولمة والأمركة

المعهد العالي للدراسات الاقتصادية والتجارية ( H.E.C ) في فرنسا، من المعاهد المتخصّصة في إعداد وتأهيل الكوادر الاقتصادية العليا، وهو في الواقع متعدد الاختصاصات، فهو يؤهل كوادر من مختلف الاختصاصات (مهندسين وأطباء000 الخ).

وتعود معرفتي بهذا المعهد إلى العام 1986، حين اتفقت مع مديره آنذاك جان بونجامان ستورا على ترجمة بحث في السيكوسوماتيك التحليلي، شارك ستورا في تحليله الإحصائي. وهذه المشاركة تعكس مدى اتساع خدمات واهتمامات هذا المعهد. هذه المعرفة هي التي جعلتني أولي اهتماماً مميّزاً للكتاب الصادر عن أحد باحثي هذا المعهد، واسمه جان لوك فيرانديري. أما موضوع الكتاب أو عنوانه فهو : "العولمة".

بادئ ذي بدء فإن الموقف الفرنسي من العولمة هو موقف مميّز، ويستحق الوقوف عنده مطوّلاً. فالعولمة تهدّد المصالح الفرنسية وتربكها ولكنها لا توقعها في وضع كارثي كما هي حال الدول المتخلّفة. ففي أثناء الحرب الباردة كان على هذه الدول أن تتجاوز تخلّفها عن طريق التنمية، وتكفي مراجعة شروط البنك الدولي حتى نعرف أسباب سوء السمعة الملازم لمصطلح التنمية. وبعد نهاية الحرب الباردة بات على هذه الدول (المتخلّفة)، أن تتخلّى عن خصوصياتها وعن هويتها وأن تستسلم كلّياً للنصائح التي كان لها حق قبولها أو رفضها. فقد تحوّلت هذه النصائح إلى قواني نافذة هي قوانين السوق (الليبرالية الاقتصادية المطلقة).

من هنا القول بأن فرنسا، وهي من دول العالم الأول، تستطيع أن تتعامل مع هذه العولمة بثبات وبثقة أكبر وأيضاً بموضوعية أكثر بروداً، وهي في الوقت ذاته معنيّة بالتصدي لبعض مظاهر هذه العولمة وانعكاساتها على المصالح الفرنسية.

ولكن هل تضمن هذا الكتاب كل المعطيات التي تهمنا كمرشحين للوقوع ضحايا لهذه العولمة؟. والجواب هو لا قاطعة، فالكتاب يرصد مراحل تحّول القوة وصولاً لإقراره بحتمية التحول الاقتصادي نحو العولمة، كنتيجة طبيعية لتتابع التطورات الاقتصادية العالمية. وهو يطاد يتجاهل تماماً موقف فرنسا من العولمة ومخاطرها على مصالحها، وأيضاً المواقف المتتابعة التي اتخذتها فرنسا في وجه العولمة، وذلك وفق استراتيجية، كان من أهم خطواتها المؤتمر الأخير للفرانكوفونية. فماذا يبقى إذاً من الكتاب؟. تبقى قراءته الأكاديمية الهادئة للتطورات الاقتصادية التي أفضت إلى طرح العولمة كخيار مقبل يصعب إيجاد البديل له. ومن خلال هذا الكتاب على القارئ أن يلاحظ أن فرنسا تحاول إيجاد هذا البديل، وتحاول تحريك وتشجيع التكتلات المعارضة له، فهي الأكثر تضرّراً من "تحول السلطة" الذي سيرافق هذه المعولمة. لذلك كان من المهم عرض ببعض النقاط قبل عرض محتويات هذا الكتاب.

1- في مقاطعة بريتانيا الفرنسية

هذه المقاطعة الفرنسية تتمتع بخصوصية حافظت عليها لمدة طويلة، ومن ضمن هذه الخصوصية لغة خاصة هي لغة "البريتون". لكن سكان هذه المقاطعة لم يتمكنوا من الحفاظ على خصوصيتهم وبدأوا بالذوبان. حتى كانت بداية اضمحلال لغتهم مطلع الثمانينيات. وترافق هذا التاريخ مع ارتفاع حاد في نسبة الانتحار في هذه المقاطعة. وتكثّفت دراسات الطب النفسي الاجتماعي لتفسير هذه الظاهرة. وكان التفسير الوحيد أن سكان هذه المقاطعة باتوا يعانون أزمة وجود بعد تقوّض عناصر انتمائهم وفقدانهم لمعالم هويتهم. وهذه الواقعة هي أحد عوامل تفسير ردة الفعل الفرنسية الانفعالية للحفاظ على اللغة الفرنسية. ووصلت ردة الفعل هذه إلى حدود فرض مخالفات على الفرنسيين الذين يستعملون مصطلحات لها مرادفات فرنسية. بالإضافة إلى جملة خطوات دفاعية لغوية من بينها القرار السياسي بإنعاش الفرانكوفونية والعمل على تفعيلها.

2- الموقف الفرنسي من العولمة

كان العامل اللغوي هو المؤشر الذي لفت أنظار الفرنسيين إلى الخسائر المحتملة التي تحملها إليهم العولمة، فاللغة الفرنسية هي اللغة الثانية عالمياً، وهي تتنازع مع الإنجليزية، وتجهد لمنافستها في الانتشار العالمي. والعولمة كخطوة أولى تكرّس اللغة الإنجليزية كلغة تخاطب عالمية (خصوصاً على صعيد الاتصالات وعلى صعيد الليبرالية الاقتصادية بمؤسساتها وبشركاتها العابرة للحدود) بما يستتبعه ذلك من وضع استسلامي للغة الفرنسية، ومن هنا قوة ردة الفعل الفرنسية، ليس فقط على صعيد اللغة بل أيضاً على الصعيد العسكري، فقد أصرّت فرنسا في عهد الرئيس شيراك على التفجيرات النووية لتثبت أنها طرف لا يمكن تجاهله في معادلة العولمة. واستناداً إلى مجمل هذه التفاعلات فإن فرنسا تخوض اليوم معارضة واسعة لمنطلقات العولمة، وليس للعولمة بحد ذاتها، فهذا الكتاب مثلاً يؤكد أن العولمة باتت واقعاً تقنيّاً. وإذا لم يكن بالإمكان تجاوز الواقع فإن بالإمكان تحسين ظروفه، وهذا ما يسعى له ا لفرنسيون، وخصوصاً لجهة العدالة بين العولمة والأمركة. ومن القنوات التي تعمل فرنسا على توضيح مساوئ هذه المعادلة من خلالها هناك الصحافة (تخصص لومند صفحات كاملة لمناقشة العولمة)، والإعلام وأخيراً المؤتمرات الفرانكوفونية ومؤتمرات متخصّصة بالعولمة.

3- مؤتمر أوتاوا / كندا

عقد هذا المؤتمر تحت شعار "اقتصاديات القرن الواحد والعشرين _ العولمة والأقلمة _ تجديد منظور التطور". وقد شارك في المؤتمر رئيس الوزراء (وزير المالية) الفرنسي السابق ريمون بار، وهو إلى جانب لقبه السياسي أكاديمي بارز في هذا المجال.

وتركزت وجهة النظر الفرنسية _ بحضور ممثّلي دول العالم الثالث في النقاط التالية :

1- كانت تسمية دول العالم الثالث معادلة للدول غير التابعة لأحد القطبين، وهي التي تجمع قسماً منها تحت تسمية "دول عدم الانحياز" وصفة التخلف إنما هي تهمة وطعم أميركي هدف إلى حث هذه الدول على تقليد الدول المتطورة، دون مراعاة لأخطار هذا التقليد الذي حول هذه الدول إلى المديونية.

2- يرى الأكاديمي الفرنسي "فرنسوا بيرد"، أن تحقيق ارتفاع في معدل النمو (كهدف للتنمية) يغرق المخططين والمسؤولين الاقتصاديين في دول العالم الثالث بالرموز المصطنعة، التي تفقدهم الرؤيا السليمة.

3- إن أية محاولة للتطوير يجب أن ترتكز على بنية اقتصادية _ سياسية موثوقة، فإذا كان هنالك نقص في هذه البنية، لم يعد بالإمكان تحديد المستفيدين من هذا النمو وغرق البلد في مديونيات ثقيلة.

4- إن العولمة تعني تركيز الثروات وتعريضها لأخطار المضاربات الموجهة من الدول الغنية والواقعة تحت سيطرتها.

5- إن تجارب الدول التي انقادت لنظام السوق ليست بالتجارب المشجّعة.

4- محتويات الكتاب

تتوزّع محتويات الكتاب على أقسام ثلاثة: في القسم الأول متابعة لتاريخ "الشمولية" الاقتصادية، وفيه سرد للثورات الحاصلة في مجال الاتصالات والمواصلات والمعلوماتية، ونظريات الليبراليةالاقتصادية ومقدمات وأسباب ظهور النظام الاقتصادي العالمي، والتكتلات الاقتصادية الاقليمية. أما الجزء الثاني فيخصّصه المؤلف لتبيان التوجه العالمي في التجارة وتبادل السلع والخدمات منذ أواسط القرن التاسع عشر ولغاية ثمانينيات هذا القرن. ويأتي في القسم الأخير إلى مناقشة التوجه نحو عالم بدون حدود اقتصادية، وهو التوجه الذي أرساه نشاط الشركات متعدّدة الجنسية منذ ظهورها ولغاية اليوم. وفي النهاية يعتبر المؤلف أن التطور الطبيعي والمنطقي للأنماط الراهنة من العلاقات بين الدول والشعوب هو تثبيت النظام العالمي الاقتصادي الجديد بكل ملامحه الراهنة.

بالانتقال إلى بعض التفاصيل فإن انطلاقة تيّار العولمة تبدأ مع سقوط الاتحاد السوفياتي، والتغيرات الجغرافية والسياسية والعسكرية التي تفرعت عنه. فقد شهدت نهاية الحرب الباردة تغييراً جذرياً في خريطة مواطن القوة. وكان ذلك إيذاناً بإعلان القطب الواحد عن زعامته الجديدة، التي بدأت بعولمة مفهوم الليبرالية الاقتصادية المطلقة، التي انطلقت من توجهات ريغان الاقتصادية، والتي تناغمت معها توجهات تاتشر وأتت متمّمة لها. وباختصار فإن القوة الوحيدة فرضت فكرها الاقتصادي الملخّص بجملة واحدة : "السوق تتحكم بالاقتصاد" وهذا التحكم يستوجب تذليل الحدود وإلغاء الجمارك ( أو تجاوزها على الأقل باتفاقيات) في كل ما يتعلّق بالاقتصاد وبالتكنولوجيا وتوسيع النشاطات الاقتصادية الرأسمالية إلى أي مكان تراه المجموعة الاقتصادية (الشركات) مناسباً لها، وذلك دون قيود. وهنا يقف المؤلف للتذكير بأن تطور المواصلات والاتصالات والتكنولوجيات منذ نهاية القرن الماضي، هو الذي مهد الطريق للتفكير بتجاوز الحدود الاقتصادية. فحتى التوسّعات الاستعمارية فإنما كانت تهدف إلى ضمان الهيمنة والتفوّق الاقتصاديين. لكن الاقتصاديات الاستعمارية كانت تخص كل مستعمر في المنطقة المستعمرة، مما كان يحول دون ظهور تمازج اقتصادي، وبالتالي لم يسمح الاقتصاد الاستعماري بوجود مجال اقتصادي متداخل .

ويعود المؤلف ليذكر بأثر الحربين العالميتين في إتاحة الفرصة للولايات المتحدة كي تتطور اقتصادياً وتكنولوجياً، على حساب أوروبا. هذا التطور الذي أسس لأمركة العولمة، التي كانت آتية بفعل التطور، ولكن أمركتها ارتبطت بهذه الفرصة ومن ثم بسقوط الاتحاد السوفياتي. ويسرد المؤلف ملامح ومحطّات تطور الاتصالات فيذكّر بظهور التلغراف الكهربائي العام 1837، ثم أولى الخطوط العابرة للمحيط العام 1866 ثم الاستعمال المباشر للهاتف سنة 1876 ثم ظهور المواصلات اللاسلكية التي اخترعها ماركوني في نهاية القرن وبداية استعمالها العام 1901. وهذه كانت المقدمات لانطلاق الثورة الإلكترونية حيث ظهر التلفزيون، الذي نزل إلى الأسواق قبيل الحرب العالمية الثانية، ثم ظهور الكومبيوتر العام 1946، والترانزيستور العام 1947، الذي يعتبر الانطلاقة الحقيقية للتكنولوجيات الدقيقة. وارتبطت ريادة أميركا لهذه الثورة استناداً إلى زيادة الاعتماد الأوروبي عليها. وأيضاً إلى الفكر الاقتصادي الأميركي. فالبراغماتية الأميركية هي التي أوصلت الولايات المتحدة إلى هذه الهيمنة. فالمسألة إذاً لا تعود إلى توجهات ريغان بل هي تعود إلى القرن الثامن عشر حيث كتب "آدم سميث" في كتابه "ثورة الأمم" :

"إن رب الأسرة العاقل لا يصنع بنفسه شيئاً يمكن شراؤه بثمن أرخص" والأمر ذاته يندرج على المجموعات الأوسع من الأسرة. وإلى هذه الخلفية الفكرية أضاف "ديفيد ريكاردو" مؤلف كتاب "مبادئ في الاقتصاد السياسي والضرائب" (1817)، المبادئ المكملة لما تتطور لاحقاً نحو الليبرالية الاقتصادية وسياسة المنفعة. لكن الفرصة التي أتاحها انهيار الاتحاد السوفياتي جعلت الأمور تتجه نحو الشمولية. إذ ظهرت أسواق وفرص استثمار جديدة مكملة ما كان متاحاً منها سابقاً. وهذا التكميل هو الذي دفع الأمر نحو الشمولية. لكن نصيحة مؤلف كتاب "ظهور استراتيجية عالمية للمقاولات" (1985) هي ضرورة التواجد في الأقطاب الثلاثة للاقتصاد العالمي، التي تمثلها عمليّا : الولايات المتحدة _ اليابان _ الاتحاد الأوروبي.

ولكن ما هو رأي المؤلف بهذه الشركات المنتشرة في الأقطاب الثلاثة (والعابرة للقارات) هل هو يرى فيها نفعاً شمولياً أو محدوداً؟. إن المؤلف يقرر أن هذه الشركات تقودها أرباحها وهي تصب هذه الأرباح في اقتصاديات أحد هذه الأقطاب. وبالتالي فإن الجهتين رابحتان في هذه الاستراتيجية. ولكن هل تخرج منها الدول النامية رابحة؟ يقول المؤلف أن هذه الشركات قد تؤمن فرص عمل إضافية في هذه الدول ولكنها تزيد التضخّم فيها بما ينعكس سلباً على اقتصاديات هذه الدول.

والواقع أننا لسنا بحاجة إلى الأمثلة على هذا الانعكاس السلبي إذ تكفي مراجعة قوائم الدول مستقبلة الشركات عابرة القارات والأزمات الاقتصادية لهذه الدول.

_________

جان لوك فيراندي : العولمة (بالفرنسية).

Share on Google Plus

About Unknown

This is a short description in the author block about the author. You edit it by entering text in the "Biographical Info" field in the user admin panel.
    Blogger Comment
    Facebook Comment

0 التعليقات:

إرسال تعليق

أضف تعليق