الاثنين، 3 نوفمبر، 2014

مصطفى إبراهيم - قصيده إنى رأيت اليوم | من ديوان المانيفستو

الزمان.. أيام ما كان لسه فى ناس ممكن تموت.. مش لاجل لقمة و لأجل قوت يعنى الزمان كان من زمان المكان.. جوه العراق.. صحرا على مد البصر .. رمله بدون نقطة مطر و الكوفة على رمية حجر من كربلاء السيين يبدأ.. صوت نفس .. مزيكا توحى بالقلق دقات قلب بينتفض منظر لحبات العرق ..على جبهة من الشمس استوت الكاميرا تعمل زووم أوت السيين بدأ.. أصوات حوافر ع الطريق.. الصوت بيعلى ويقترب فى نقطة ع الشوف من بعيد الزووم يزيد .. يظهر بتاع خمسين فرس.. من لبسهم واضح بأن دول حرس.. من جيش "يزيد" يغمس حصانه فينطلق زى الهوا تلمح عينيهم م العفارة جريته تلمع عينيهم..كله يجرى ناحيته مشهد مطاردة بدون أمل .. خلفيته.. صوت طبل افريقى اشتغل و مفيش دقيقة ..بعدها كان سهم لحقه و إتقتل .. ف يسيب حصانه و يتهبد.. يمسك السهم بإيديه.. و يشوف شريط الفيلم كله قصاد عينيه الشاشة تبهت لون ضباب علشان تجيبه بيفتكر والذكريات دايماً بتصحى.. لما نيجى نحتضر كنا قصاد قصر الخليفة ..باالآلاف من كل شارع ف المدينة ..حتلاقينا شئ مهول و مهما أحكى أو أقول .. اللى سمع طبعاً مش زى اللى ..شاف كان هوه جوّا بيرتعش و زى منه حاشيته طوفانّا عمّال يقترب .. والكل جاى ف سكته و الكاميرا جايه ع الرؤوس مع صوت ..هتاف الصورة تعمل فيد أوت.. كل الملامح تختفى.. الصورة ترجع..الإضاءة نور قمر و المشاعل اللى باقية نورها قرّب ينطفى و اللى فاضلين م الآلاف يتعدوا يمكن ع الإيدين معرفش لسة الغلطة فين .. بس الحسين لازم خبرنا يوصله قبل ما يفوت الأوان خوفنا خلّانا عبيد مالناش أمان إحنا مش قد اللى عاوز يعمله و صوتنا النهاردة جمب صوته وموتنا موته .. و بكرة قدام الخليفة إحنا اللى ممكن نقتله .. صمت تام ..بعده يبدأ صوت يبان صوت لعزف حزاينى جداً ع الكمان .. سيين المظاهرة خلاص خِلِص .. و سيين العقاب واضح إنه فى أوله .. الكاميرا فجأة تلتفت .. جايبة شكل القصر كله من بعيد .. زووم ع الفراندة اللى طلّة ع الجنينة من وسط ظباط حاشيته يظهر "يزيد" زى اللى دبت روحه جواه من جديد.. يكشف سنانه و يبتسم .. و بسيفه يشاور علينا من غير ما ينطق كلمة واحدة .. فى ظرف لحظة إفترقنا كل واحد ودّع الباقيين بنظره و هو بيلف بحصانه .. وانطلق كل واحد فى إتجاه كل واحد منا يجرى .. وألف كلب صيد وراه معرفش مين فينا اتصلب مين انضرب .. مين فينا بالمدنة احتمى .. مين اللى من فوقها اترمى أو حتى مين قتله العطش بعد اما تاه .. كل الشوارع مصيدة وكل البيوت .. الكوفة نايمة حتى من قبل العِشا.. حَطَّت صُباعها ف ودنها .. وسابتنا بره الباب نموت .. الليل يفوت.. و الحظ يلعب لعبته و يسيبنى أعيش . الكاميرا قدام الحصان الحركة ماشة بالبطئ .. الكاميرا تعلى لفوق اوى ..الصحرا تملا الكادر كله و الشمس ف نهاية الطريق.. ع الضُهر حسيت بالتعب .. بطّلت جرى..الشمس حامية وصدرى من كتر العطش عمّال يضيق .. ريقى بحاول أبلعه مش لاقى ريق.. حسيت ساعتها إن النهاية بتقترب ف نزلت من فوق الحصان .. طبطبت على كتفه وسندت .. و بنظرة بصيت للسما زى الغريق الصورة تتثبت بتاع أربع ثوانى .. الصورة فجأة تجرى بس بسرعة جداً.. مع صوت كأن حد بيسف الشريط .. الصورة تثبت مرة تانى جثة فوق الرملة نايمة .. سهم راشق نفسه فيها .. زى شاهد من فوقيها الكاميرا تبعد حبة حبة .. والإضاءة تنطفى..أصوات نايات ملو السمع و الكادر بيلّم الوجع .. وبعدين يقرر يختفى صورة سودا للسما من غير نجوم.. مع صوت هوا عمّال يزووم فوق الرمال.. قدام بعيد ..أشباح جِمال..أصوات خفيفة للخيول ينزل كبيرهم من على جناح الفَرَس .. و يلف كفه ع اللجام بعدين يقول .. الليلادى نبات هنا ..دقّوا الخيام ساعتين وكان الكل نام .. يصحى فى نص الليل لوحده من القلق .. ابنه الصغير يسأله ..مالك؟ مفيش.. هو إحنا مش ع الحق برضه ؟ يبقى تفرق إيه نعيش.. تلمع عيونه بدمعتين .. يحضن دراع "الحسين" و الحضن دايماً يختصر نص الكلام يا رب مغلوب ف أنتَصِر الظلم عمره فى يوم ما دام .. و تفوت ساعات الليل قوام الفجر يبدأ..يوم جديد و ينكتب ع الشاشة بالفونت العريض .. يوم كربـــلاء آخر ساعات قبل المصير و الكاميرا تتسحّب ع السيين الأخير..قبل الختام الكاميرا جايبة صقر طاير فوق بعيد ..عمّال يلف ويرسم دايرة مقفولة .. كأنه حاسس ب اللى هينقتل تحته.. و إن الحسين على وش مدبحته.. و إن الرمال تحتيه بالدم راح تشبع .. و إن الهوا حواليه حبة و حيبقى تراب .. و حيبقى هوّه وصُحبته أغراب و إن المدد مش جاى مش هوّه ده عَلَمهُم إللى قالولك تيجى ..رجعوا ف كلامهم يا حسين هتيجى تموت لمين ؟ إرجع.. كل إللى جاى عشانهم تِفدى وتناضل .. راضيين يعيشوا عبيد .. و المشهد الفاضل هتموت ف آخره وحيد .. الشاشة تتفتَّح بالراحة ع المشهد .. الصورة سودا و تاريخ بينكتب بأبيض .. الزمان ..20 ديسيمبر شهر و نكمل سنة ع الثورة تقريباً الوقت..قبل الفجر المكان.. أسفل إشارة عمر مكرم جمب الصينية تحديداً.. و يخش آخر كادر فى القصة على غفلة .. فيد إن ..على الكريشيندو والقفلة . أصوات هتاف .. و بتقطعوا أصوات بعيدة لسراين الإسعاف .. و ساعات قريبة لضرب نار .. الكاميرا بتزووم ع الهدوم الكاكى .. الكادر فجأة فيه بشر ظهروا .. صفين عساكر جيش مترصصين بالعرض .. و بلاط رصيف الحى مخلوع و متكسر .. و الراوى يبدأ حكايته .. وصوته متأثر أمسِك"محمد مصطفى" ع الأرض .. و أبكى و أنا بقلبه من كتفه على ضهره .. و نشيله جرى فأشيله من باطه و صوابعى حاسة بقلبه بيدقدق .. مع كل نبضة تخف نبضاته .. كان قلبه مش بينقّط .. قلبه بيدلدق.. قالوا الدكاترة بعدها .. اللى اتقطع شريان مهم.. المهم .. لفّينا وِسطه بشال و عقبال ما جرينا للشارع .. و لقينا عربية .. و لحد مستشفى الهلال .. و لحد ما استلموه طقم النبطشية.. كان هوّه متبرع بنص دمه للطريق .. و عرفنا بعديها بيومين .. إنه إتبرع بروحه للقضية .. و إنه ساب لإصحابه ف هدومه وصية .. الكاميرا جايبة شاب بيغرّق إيديه بالدم .. و جايبه صاحبه معدى جمبه بيدمّع .. بيقول كلام و يعيد كأنه بيسمّع .. شيّع صحابك من معركة بِالليل.. و الصبح فرَّج دمهم للخلق و لأتوبيسات الناس الرايحة للأشغال.. زعّق بصوت رايح.. و بحشرجة فى الحلق و اسكت عشان مبقاش فاضل كلام يتقال الكاميرا ماشية بالبطئ جمب الصينية .. الكاميرا ماشية بالبطئ فوق الطريق الأحمر يتودّع الواقفين فى الكادر و بتطلع .. و أصحاب محمد لسة بيحاوطوا الأمل بالطوب.. زى ما يحاوطوا قَدَر الشهيد المحتمل ع الأرض.. أفتح وصيته وأقرا إيه مكتوب الكاميرا طايرة ع الميدان من فوق .. و الصوت يرن لوحده فى سما المنظر .. إنى رأيت اليوم...الصورة من برة و قلت الحسين لسة ....حيموت كمان مرة إنى رأيت اليوم ....فيما يرى الثائر ان الحسين ملموم ...فوق جثته عساكر بيدغدغوه بالشوم كل أما ييجى يقوم و ان البشر واقفة تبكى بدال ما تحوش و ان العلم مصفاه م السونكى و الخرطوش و ان الطريق مفروش...بالدم للآخر... إنى رأيت اليوم... الدم ع الآيش.... و إن الحسين إحنا.... و مهما اتقتل عايش.