زبيغنيو بريجنسكي منتقدا الإدارة الأميركية
وصلنا إلى أدنى مستويات الصدقية في العالم.
كيف تراجعت مكانة الولايات المتحدة المعنوية في العالم؟.
وكيف يمكن للإدارة الأميركية الحالية إصلاح الخلل؟.
وما هي نقاط الضعف الأساسية في عملية اتخذا القرار؟.
وما هي حال الجهد الاستخباراتي الأميركي؟.
وما هي مشكلة المقارنة الأميركية الحالية لكل من الوضع العراقي والصراع العربي الإسرائيلي؟.
وما هي مسؤولية الاستيطان اليهودي في تعقيد عملية السلام على المسار الفلسطيني؟.
هذه الأسئلة تصدى لها زينغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق خلال ولاية الرئيس جيمي كارتر ( 1976 – 1980) وحاليا عضو مجلس أمناء مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن CSIS) ومعلوم أن بريجنسكي يعتبر في الوسط الأكاديمي الأميركي والعالمي. وفي عواصم القرار الكبرى. أحد أعلى المراجع والخبرات في ميدان العلاقات الدولية. والفكر الاستراتيجية والجيوسياسي . ففي حديث أدلى به أخيرا خلال إحدى الندوات في مجلس العلاقات الخارجية الأميركية. أعتبر بريجنسكي أن صدقية الولايات المتحدة في العالم تراجعت في السنتين الأخيرتين إلى مستويات لا سابق لها ويعزو هذا التراجع إلى سلسلة إخفاقات في رؤية الإدارة الأمريكية الحالية لقضايا العالم. وفي نقص المعالجات المتوازنة لأزمات معقدة وخطرة مثل أزمة الشرق الأوسط.
ماذا يقول بريجنسكي؟.
واستخلاص أهم ما قاله كالآتي.
ردا على سؤال حول قوله خلال محاضرة سابقة ألقاها في واشنطن. إن مكانة الولايات المتحدة الدولية بلغت أكثر مستوياتها انخفاضا. أعلن أن من الواضح تماما أن الولايات المتحدة باتت إثر نجاحاتها العسكرية في كل من أفغانستان والعراق. والقوة الوحيدة التي تلمك قدرات عسكرية عالمية. فليست هناك دولة أخرى تملك قدرات بهذا الحجم. لكن المفارقة هي أنه في الوقت نفسه. واستنادا إلى مؤشرات كثيرة. وإلى استطلاعات الرأي عبر العالم وإلى ردود فعل الحكومات الأجنبية. وإلى تقارير الصحافيين الأميركيين المنتشرين في العالم. يمكن القول إن أميركا تفتقر إلى الصدقية الدولية التي تتماشى مع مكانتها وإمكاناتها. مما يجعل هذه المكانة . بالمعنى السياسي . تقف في نقطة منخفضة لم يسبق أن بلغتها في أي وقت مضى., لقد كان الجزم المطلق بأن العراق يملك أسلحة دمار شامل. سببا أساسيا لتدمير الثقة بالولايات المتحدة وبكلمتها في العالم. وفي يقيني أن هذا الأمر يشكل تطورا خطيرا يؤثر سلبا على دور الولايات المتحدة في العالم.
كيف يمكن إصلاح الخلل؟. أجاب بريجنسكي:
" الخطوات عدة لتحسين الصورة.
أولا: عودة صريحة للسياسية الخارجية الأميركية إلى منطق الاعتدال انطلاقا من التوافق consenus) الحربي ( جمهوري – ديموقراطي ) في صوغ تلك السياسة . والمسألتان تتزامنان حكما.
فالسياسية الخارجية الأميركية صبغت في المرحلة الأخيرة بتوجه متطرف من داخل الحزب الجمهوري نفسه. واتخذت القرارات على خليفة النظرة المسيحية ( البروتستانتية ) الأصولية. وبقراءة من المحافظين الجدد.
ثانيا: علينا أن نتشاور بكثافة مع الحكومات الأجنبية. وألا نتصرف على قاعدة أن من ليس معنا فهو أوتوماتيكيا ضدنا. إن هذه المقارنة التي تلغي مساحة التوافق في العلاقات الدولية. هي تدمير للذات.
ثالثا: علينا أ، نعيد إحياء الأجهزة الاستخباراتية بشكل يجعلها تقدم معلومات موثقة تكون قاعدة لعملية اتخاذا قرارات ذكية. ولا تكون قائمة على مبدأ أسوأ السيناريوهات.
وهذا من شأنه أن يعيد اعتماد الحكومات الأجنبية على أحكامنا وتحليلاتنا في عملية صوغ سياستها".
وفي العملية السياسية في العراق .رأي " أن نقل السيادة إلى العراقيين خطوة إلى الأمام ولكن كان الأجدى ولصديقتنا أن تقدم على العملية قبل الآن. وفي هذا المجال أذكر أنني اشتركت قبل أشهر عدة في مداولات على أعلى مستويات القرار في واشنطن للبحث في الخطوات المقبلة في العراق. وكنت أحد الذين اقترحوا على الإدارة الحالية المسارعة إلى إطلاق العملية السياسية عبر مباشرة نقل السيادة في نهاية صيف 2003 لكن وجهة نظرية التي كان عدد من الخبراء المستقلين الآخرين يشاطرونني إياها. وضعت جانبا ولم يؤخذ بها بتاتاً. وبما كان السبب في تلك اعتقاد المسؤولين عن الملف العراقي أن نقل السيادة سيبدد السيطرة الأميركية على العراق باكرا"
وردا على سؤال عن رأيه في الهاجس الأميركي الحالي بالحرب على الإرهاب قال: " لا يمكن عزل الإرهاب عن الظرف السياسي. والتاريخي والاجتماعي. لقد تعاملت العديد من الدول في السابق مع الإرهاب. وما يجعل الإرهاب الراهن خطرا. وتوسله أسلحة فتاكة ومدمرة. هذا بالذات ما يجعل من الضروري معالجة المسألة بذكاء. وبنظرة أوسع وأشمل فلا ينبغي تحليل الإرهاب بأدوات الدين. أو العقائد كما لا يجوز نشر حالات الذعر بين الناس بشكل دوري كما نشهد الآن"
فلسطين والعراق / وهل يرى تقدما في جهود السلام في الشرق الأوسط منذ حرب العراق؟ أجاب:
أولا: إن الأزمات في الشرق الأوسط مترابطة. وبالطبع إن الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والوضع في العراق متفاعلان إلى أبعد الحدود. وهذه حقيقة راسخة. وفي اعتقادي إن الإدارة الأميركية تراجعت عن ممارسة أي جهد حقيقي وجدي في سبيل السلام في الشرق الأوسط واسم الحرب على الإرهاب منحت دعما منحازا تماما لجهة واحدة هي في اعتباري أكثر الحكومات الإسرائيلية فمعا التي تطبق سياسات مناقضة تماما مع سياسات إسرائيلية سابقة كتلك التي اتبعها على سبيل المثال رئيس الوزراء الأسبق أسحق رابين. وأزعم أن رابين لو كان اليوم على قيد الحياة لما وصلت إسرائيل إلى هذا الحد من العزلة الدولية التي تعانيها الآن. ولما وصلت الأمور بين الشعبين إلى هذا المستوى من التدمير المتبادل الذي نشهده منذ سنتين . وإني اعتقد أن السطحية والغموض في المواقف الأمريكية. شكلا مظلة مثالية لتطورات في غاية السلبية. أما شعاع الأمل لدى فمصدره أن الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي على السواء يدركان أن عليهما التحول عن التطرف. وأملي أن تستطيع "وثيقة جنيف" الاستحصال على دعم دولي كبير لتشكل زخما جديد للسلام في المنطقة . وإني على ثقة أن الأكثرية الساحقة من اليهود الأميركيين هم الليبراليون وواسعو الأفق والتفكير. وعندما يرون أن ثمة بدائل جديدة. سيبدءون مساندة أي جهد حقيقي لصنع السلام.
أما إذا لم يحصل تقدم في عملية السلام بسرعة فخوفي أن حل الدولتين سينهار في غصون عام من الآن نظرة زيغنيو بريجنسكي الدراماتيكية إلى الواقع الشرق الأوسطي تستدعي منا وقفة تأمل في وجهات نظر أميركية مختلفة عن سياسات الإدارة الحالية.
زبغنيو بريجنسكي يحذر من انهيار أميركا في الشرق الأوسط الكبير.
أقطاب في الإدارة مصابون بالعمى الإيديولوجي والاستراتيجي.
قال مستشار الأمن القومي السابق زيغنيو برجنسكي " إنه يتوقع تغييرا في السياسات الأميركية الخارجية إذا ما أعيد انتخاب الرئيس جورج دبليو بوش، وهذا هو المرجح لأن الحزب الديموقراطي لم يقدم مشروعا بديلا ومتكاملا يمكن أن ينقذ الولايات المتحدة من سلسلة الأخطار التي وقعت فيها الإدارة.
وأوضح أنه كمستشار سابق للرئيس الديموقراطي جيمي كارتر يفضل أن يبقى في صياغة رأيه بعيدا عن أي مؤثرات حزبية معتبراً أن خطأ الرئيس بوش الحقيقي هو في محاولة تفرده ،واصفا بعض أركان الإدارة بالعمى الإيديولوجي والاستراتيجي على السواء.
وعلى هذا الأساسي فإن تمكن وزير الخارجية كولن باول من البقاء في منصبه رغم الضغوط الهائلة التي تعرض لها لدليل على إمكانية حصول تحول في المسار العام للسياسيات الخارجية.
واستعاد بريجنسكي بعضا مما ورد في كتابه الأخير " الخيار الحقيقي" ليقول إن على القادة في الولايات المتحدة أن يكونوا على وعي تام بعدم التشبه بالإمبراطورية الرومانية التي كانت تستخدم فيها مصطلحات قريبة جدا من المصطلحات التي تصدر عن مسؤولين في واشنطن مثل " الدول المارقة" و " محور الشر" و " الجماعات الإرهابية"...الخ. ملاحظا أن الغطرسة التي كانت تمارسها روما أدت بالإمبراطورية إلى الانهيار، وعلى هذا الأساس فهو يدعو إلى أن تكون أميركا مدينة على جبل " كما ورد في العظة الأخيرة للسيد المسيح" مدينة مشعة وفي سلام مع العالم، لا قلعة على جبل" معزولة وكئيبة وتستقبل جثث جنودها على وقع الموسيقى الجنائزية.
الانهيار:
اللافت أن بريجنسكي استخدم في كتابه التعبير نفسه الذي استخدمه الباحث اللبناني طارق متري كعنان لكتاب صدره له أخيرا، " مدينة على جبل" عالج فيه مسألتي الدين والسياسة في أميركا، وقدم له الصحافي غسان تويني.
وحذر بريجنسكي من أنه إذا لم يحدث تغيير في سياسة الإدارة فإن أميركا ستنهار. في ذلك المصطلح الذي لم يأخذ بالاعتبار الكثير من الحقائق الجغرافية والتاريخية والإنسانية، وهو " الشرق الأوسط الكبير"، مشيراً إلى أن الروس يبدون شديدي الانزعاج مما يدعونه الحصار الذي يفرض عليهم عبر أوروبا الوسطى ( الشرقية ) وآسيا الوسطى ( الشرقية) وهم قادرون على إلحاق الأذى بالاستراتيجية الأميركية في تلك المناطق. لا سيما المناطق الآسيوية الشديدة التعقيد. سواء تعاونوا مع الصينيين الغاضبين بدورهم أم لا.
ولم يستبعد أن يدعم الروس الإسلام المتشدد في بعض الجمهوريات رغم أن ذلك قد يؤثر على وضع الشيشان، ولكن الرئيس فلاديمير بوتين لا يريد لبلاده أن تتحول إلى برازيل أخرى غارقة في أوقيانوس من المشكلات ودون أن تكون لديها أي فاعلية استراتيجية على الإطلاق.
ورأى بريجنسكي الذي يعتبر أبرز الباحثين المستقبليين في الولايات المتحدة أن الخطأ القاتل الذي ارتكبه الرئيس جورج بوش هو أنه أدار ظهره للحلفاء الأوروبيين. لا بل إنه وبنصيحة رديئة من مستشاريه طبق خطة ، على جانب كبير من البلاهة ، لتجزئة القارة ( أوروبا القديمة وأوروبا الجديدة). ظناً منه أنه بهذه الطريقة يستطيع أن يحمل الأوروبيين على السير في ركابه. ولكن الذي حصل في إسبانيا حيث كان السقوط المدوي لخوسيه ماريا أزنار الذي أدخل بلاده في التحالف القائم في العراق، يفترض أن يشكل أمثولة للذين لا يفقهون ما هي أهمية أوروبا الموحدة بالنسبة لحماية مستقبل أميركا.
الصين تبتلع أميركا
ويرى بريجنسكي أن الصين تستطيع في العقود القليلة المقبلة أن تبتلع أميركا إذا لم يتم إحداث تعديلات أساسية في الرؤية الاستراتيجية. بحيث يعاد تفعيل التحالف مع أوروبا، مستغربا الرفض الأميركي لانضمام دولة عملاقة مثل ألمانيا إلى الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي. فواشنطن هي التي تقول إن العالم الذي أنتجه مؤتمر يالطا شباط 1945 ) قد انتهى. ومع ذلك فهي تتمسك ، بالنسبة إلى العضوية الدائمة في مجلس الأمن ، بالتوازنات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية، كما لو أن دولا مثل ألمانيا واليابان لم تخرج من الرماد، وكما لو أن دولا مثل الصين والهند لا تضم نصف البشرية وبإمكانات لا توجد مجالات للاستهانة بها.
وقال بريجنسكي إن البعض يحاولون المزج بين عملية صوغ السياسات وبين مفاهيم ميتا فيزيقية مثيرة للجدل. فإذا كان هناك من يعتبر أن النصوص المقدسة تشكل أساسا في الرؤية السياسية ، لا بد من أن تستغرب كيف يكرس هؤلاء الانغلاق وبناء علاقات ملتبسة بل وعدائية مع العالم.
وتابع قائلاً إنه لا يمارس الوصاية على أحد وأنه لا يملك لا النية ولا القدرة على أن يفعل ذلك. ولكن من المنطقي عندما تفشل رؤية معينة أكثر من مرة وفي أكثر من مكان، تغيير أصحاب هذه الرؤية. ,إذا كان لريتشارد بيرل أن يتنحى بعدما اكتشف مدى الضرر الذي يلحقه بالمؤسسة، فإن هناك آخرين كثيرين يفترض أن يخدموا رئيسهم ويبتعدوا. وإن كان من المؤكد أن الحقبة الانتخابية قد لا تكون المساحة الزمنية المناسبة لأي مواقف دراماتيكية حتى ولو كانت تخدم المصالح العليا للولايات المتحدة.
ديمقراطية مريخية
ومع أن بريجنسكي يظهر الكثير من الجدية وكلما بدرت عنه إشارة ساخرة. فهو لم يتردد ، لدى الحديث عن تسويق الديمقراطية كسلعة جاهزة للاستهلاك، عن التساؤل ما إذا كانت المركبات الفضائية التي سترسل إلى المريخ ستحمل معها منشورات تدعو إلى الديمقراطية فوق الكوكب الأحمر، ودون أن يعني هذا أنه راض عن أداء العديد من الأنظمة في العالم الثالث وحيث يسود التحجر والانتهاك المنظم لحقوق الإنسان.
لكنه يعتبر أن باستطاعة الولايات المتحدة أن تساعد على نشر الديمقراطية بطريقة تأخذ بالاعتبار أن مهمتنا إنسانية وحضارية بالدرجة الأولى. لا بمنطق قاذفات القنابل.
ولم يتوقع بريجنسكي أي خطوة نحو السلام في الشرق الأوسط في غضون الأشهر السبعة المقبلة، لكنه لم يستبعد تجميداً للوضع. لأن الإبقاء على وتيرة العنف سيخلف آثارا كارثية. مؤكداً على ضرورة أن يضغط الرئيس جورج بوش شخصيا على رئيس الحكومة الإسرائيلية أرييل شارون للحد من الإفراط في العنف. وهنا استدرك بريجنسكي قائلا إنه من الصعب أن يصغي الرئيس إلى نصائح من هذا القبيل لأن للمعركة الانتخابية معاييرها التي لا تدخل في منطق التحليل الأكاديمي للموقف السياسي.
0 التعليقات:
إرسال تعليق
أضف تعليق