على مدى ال233 صفحة التي يستغرقها الكتاب يتصدى بريجنسكي، أحد أهم الاستراتيجيين الأميركيين، لعرض موقع الولايات المتحدة كقوة عالمية وحيدة حاكمة. وتضاف الى أهمية المؤلف عناصر مكملة لأهمية الكتاب وهي:
1. صدور الكتاب العام 1997 اي في الفترة التي اتهمت فيها الولايات المتحدة بعدم امتلاكها لرؤية استراتيجية واضحة. وبأن السياسة الأميركية تتعامل مع الأحداث العالمية بصورة تكتيكية.
2. تكتسب كتابات بريجنسكي مصداقيتها من كتاب سابق له صادر في العام 1986 يرى فيه أهمية استراتيجية للحزام الأوراسي من اجل احتوء روسيا والصين. وها هو يعيد التأكيد على أهمية هذا الحزام بعد سقوط الاتحاد السوفياتي.
3. انه يعرض وجهة نظر مخالفة للآراء السائدة لدى الجمهور (الميديا) كمثل نهاية التاريخ وصدام الحضارات وترشيحات أوروبا للعب دور البديل.
4. انه صادر قبل حرب كوسوفو والتغيرات الاستراتيجية الناجمة عنها. وهي تغيرات بدا المؤلف وكأنه يستبقها ويتنبأ بها. مما اعطى للكتاب المزيد من الأهمية.
ولكن ماهي محتويات الكتاب ومحاوره وأفكاره الرئيسية؟.
أ- انتخاب عدو لأميركا بطريقة الصواب والخطأ.
وطريقة الصواب والخطأ تقتضي تجربة مختلف الاحتمالات لغاية مصادفة الاحتمال الصحيح. ويبدو المؤلف وكأنه يستبعد كافة الاحتمالات المطروحة دون ان يجد الاحتمال الصحيح. وان كان يؤكد ضرورة وجوده.
فالاتحاد الأوروبي بعيد جدا" عن ارساء قواعد الائتلاف الصحيحة بين اعضائه. حتى ان قراء فرضية جاك آتالي (مستقبلي فرنسي) ،حول قيام الاتحاد الأوروبي كقطب بديل، يجدون في آراء بريجنسكي وتحليلاته ازدراء" ليس بآتالي وحده وانما بكل من قبل هذه الفرضية. ولو نحن راجعنا سلوك دول الاتحاد الأوروبي اثناء حرب كوسوفو وموافقتها على تعديلات حلف الناتو لوجدنا ان المؤلف كان مدركا" لهذه النتيجة قبل سنتين من وقوعها. بل اكثر من ذلك فان برجينسكي يرى في تعزيز السيطرة الأميركية على حلف الناتو جسرا" للعبور الى القوقاز. كونه يرفض رفضا" قاطعا"فرضية قدرة دول الناتو على تصدير الليبيرالية الى ما وراء بحر قزوين والحزام الأوراسي.
ثم ينتقل المؤلف لبحث احتمال لعب اليابان لدور القطب البديل. فيستبعدها أيضا" لجملة اسباب منها: خلافاتها مع محيطها وحاجتها الملحة للآخرين عدا عن مشاكلها الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية وانتهاء" بمجاورتها للصين.
والصين بدورها مستبعدة من قبل المؤلف (أقله على المدى المنظور كما يقول) وذلك لأسباب متداخلة اهمها تناقضاتها بين نظام متشدد وانفتاح اقتصادي مقنن وبين الفوارق بين سكانها على صعيد المستوى المعيشي والرفاهية ونمط الحياة اليومية. وأيضا" التناقضات الدينية والفكرية بين سكانها. مع ايلاء المؤلف الأهمية الأكبر لاعتقاده بعجز الصين عن الاحتفاظ بمعدل التنمية الراهن والذي يعتبرشرطا" ملزما" لامكانيات تطورها وفق التزامها بخطة انفاق عسكري ضمن الحدود الراهنة ( سوف تضطر لزيادة الانفاق العسكري لو انها سعت للعب دور القطب البديل). ويصل الى تشبيه الأوضاع الاقتصادية الراهنة للصين بمثيلاتها في الاتحاد السوفياتي المؤدية لانهياره. ةبهذا يتطرف برجينسكي في استبعاده للصين وصولا" لايحائه بقرب انهيارها وفق النموذج الكارثي السوفياتي. ويصل الكاتب الى اندونيسيا الغارقة في فقرها وفي تعددية اعراقها بما يكفي لاستبعادها ايضا".
أما الهند فهي تداري فقرها وزيادتها السكانية بملكيتها للسلاح النووي. الذي يؤهلها لمجابهة الصين ( اي انها في حالة احتواء مزدوج- بحسب القاموس السياسي الأميركي وان تجنب المؤلف استخدام هذا المصطلح). ومع ذلك فهو يرى ان من مصلحة الهند ان تبقي على علاقاتها الجيدة مع الولايات المتحدة.
ب - الحزام الأوراسي
بعد هذه الاستبعادات المتتالية يصل المؤلف بقارئه الى نتيجة قوامها الضعف الآسيوي الشامل. وهو اذ يستعير كناية "رقعة الشطرنج الكبرى" للقارة الآسيوية فهو يجد انها مليئة بالبيادق مما يجعلها قابلة للانفجار على دفعات متتالية. وهو يستعير لهذه التفجيرات مصطلح "البلقنة". مؤكدا" ان تناقضات الدول ال 35 ،التي تؤلف الحزام الأوراسي، كفيلة بتفجير سيرورة بلقنة اكثر حدة من البلقنة الأساسية.
وبمعنى آخر فانه يكشف عن منطقة متفجرة تضم 400 مليون انسان مهددين بالوقوع ضحايا الحروب والصراعات ( تقتضي التدخل الانساني الأميركي لانقاذهم. انها كوسوفات جديدة تحتاج لدورات تربوية بالاسلحة الميركية المتطورة.-لم يقل المؤلف ذلك الا انه التفسير الوحيد لطرحه- وعلى غرار كوسوفو فان التدخل الانساني يحتاج الى طلبات رسمية للتدخل على ان تأتي من دول المنطقة الأقوى! بما يعادل تورط هذه الدول وخضوعها لشروط الحلول الانسانية الاميركية). هذا ويهتم المؤلف بتحديد المنطقة الأوراسية الأهم استراتيجيا" (لاحتوائها على ثروات نفطية وذهب) فيجدها تضم الدول التالية: تركيا وايران وكازاخستان وقرغيستان وطاجكستان وأوزبكستان وأذربيجان وأرمينيا . (بالتالي فان الصراعات التي تفتح ابواب التدخل الاميركي يجب ان تكون في بعض هذه البلدان).
خلاصة القول ان المؤلف يركز على الفراغ الاستراتيجي الهائل في هذه المنطقة من رقعة الشطرنج الكبرى. وهي منطقة ثروات ضخمة لايجوز اهمالها. وان كانت من اعمال الاتحاد السوفياتي الزائل ووريثه الاتحاد الروسي المتعثر. حيث تميل روسيا تاريخيا" نحو الاتجاه الامبراطوري. مما يجعل آمال الديموقراطية،خصوصا" بالمفهوم الأميركي، مستبعدة. وبالتالي فان على الولايات المتحدة ان تتصرف.
أهمية هذا الكلام انه يأتي في اطار منحى فكري-استراتيجي يشكل تيارا" خاصا" به. كما أنه يأتي قبل حرب كوسوفو. التي نرى فيها اليوم اختبارات متداخلة. واحد للقدرة الروسية (اصيبت بالشلل ولم تتدخل بالرغم من الضغط الشعبي الروسي. وذلك مقابل الافراج عن قرض لروسيا من البنك الدولي مقداره 50 مليار دولار فقط- أي ما يعادل 25% من التوظيفات الأميركية في القوقاز). كما تضمنت حرب كوسوفو اختبارات لتركيا (امتنان للتدخل الاميركي) والصين (التي اظهرت ردة فعل عنيفة على قصف سفارتها في بلغراد- لكنها قابلة للاستيعاب والاحتواء). بالاضافة الى دول العالم الاسلامي (اصلاح طرح صدام الحضارات) والاتحاد الاوروبي (امكن دفعه للتراجع عن بعض مواد ميثاقه لصالح تعديلات الاطلسي الاستراتيجية. وهو تعديل بالغ الضرر بمستقبل اليورو) وأخيرا" ايران (التي بين اختبار كوسوفو امكانية البدء بمحاولات احتوائها ووضعها خارج دائرة التجاذبات). وهذه النتائج مجتمعة تصب في تصورات بريجنسكي الاستراتتيجية. فهل يصح بعد ذلك أن ننفي وجود استراتيجية أميركية واضحة ومحددة؟. وهل يجوز الفصل بين حرب كوسوفو وحرب تيمور والحروب الاوراسية القادمة؟. وهل لنا ان نراجع بحثا" عن الطرف المستفيد من اندلاع هذه الحروب؟.
ج- الصراع بين مدرستين
منذ اواسط الثمانينيات توزعت وجهات النظر الاستراتيجية في اميركا على تيارين رئيسيين هما:
1. التيار الانعزالي: ويدعو الى العزلة الاميركية لاجراء ثلاثة اصلاحات اساسية في النظام وهي: أ. تراجع الحصة الاميركية من الناتج الاقتصادي العالمي. وتنامي حصص اليابان واوروبا الغربية والدول الصناعية الحديثة من هذا الناتج. وب. تراجع النفوذ السياسي الاميركي كنتيجة لتراجع النفوذ الاقتصادي. وج. عدم جواز الاستمرار في الانفاق العسكري لأن اقتران هذا الانفاق مع التراجع الاقتصادي انما يعني بداية النهاية للولايات المتحدة.
2. التيار الدولي: القائل بأن الحفاظ على الدور الاميركي القيادي للعالم الحر يقتضي تقديم هذه التضحيات الاقتصادية. شرط قدرتها على التجدد والتطور بما يحفظ لها القيادة والنجاح في اختباراتها. فاذا ما حصل ذلك فان هذه السلطة تعوض الاقتصاد.
وكسب التيار الدولي معركته تدريجيا". اذ انهار الاتحاد السوفياتي وبرزت الولايات المتحدة كقطب عالمي أوحد ثبت نجاحه في اختبار القوة. ثم فاز هذا التيار بالضربة القاضية العام 1998 عندما بدأ الاقتصاد الاميركي بتحقيق الفوائض للمرة الأولى منذ العام 1956. وها هو مشروع بريجنسكي لبلقنة الحزام الأوراسي يعد الاقتصاد الاميركي بارباح خيالية وبحصة غير مسبوقة للولايات المتحدة في الناتج الاقتصادي العالمي.
لكن هذا كله لايعني البتة اهمال التيار الانعزالي والتنكر له. فقد اثبت هذا التيار صدقيته عندما عجزت الولايات المتحدة عن الموافقة على الانزال البري في كوسوفو. وهو عجز احرجها كونه يعكس انعزالية المواطن الاميركي المقترنة مع رغبته الملحة بالرخاء. وعلى هذا الاساس رأينا الولايات المتحدة تتجنب التدخل في مسألة تيمور الشرقية تاركة قيادة القوات فيها لأوستراليا. كما وجدناها غائبة تماما" عن الصراع في الشيشان (انسحبت منه بعدما تبين ان مخزونه النفطي اقل كثيرا" من المتوقع).
ولعل المراوحة بين هذين التيارين تفسر لنا تأرجح طروحات المؤلف وتفاوتها بين الاستخفاف الظاهري بالاعداء المقترحين وبين التحذير الضمني من خطرهم واحتمالات مصادمتهم للولايات المتحدة. ولقد تجلت هذه المراوحة اكثر ما تجلت في تحليل المؤلف لموقف روسيا ومستقبلها حيث تساءل صراحة هل هي صديقة ام عدوة؟ وهل ينبغي علينا مساعدتها والى أية حدود؟.
د- ما لم يقله بريجنسكي
هل يقدم مؤلف مثل بريجنسكي على تقديم عرض كامل لرؤيته الاستراتيجية في كتاب موجه للجمهور؟. وان هو رغب في ذلك فهل هو يستطيع تجاوز الخطوط الحمراء الموضوعة له ولغيره من مالكي المعلومات غير الشعبية؟. والجواب هو لا بالطبع. فالمحظورات باتت شبه محددة وان اختلفت باختلاف المواضيع. لذلك وانطلاقا" من المسائل المطروحة في الكتاب نجد انه من حقنا كقراء أن نطرح جملة اسئلة تتداعى الى الذهن في سياق متابعتنا لتحليلات بريجنسكي ولعل اهمها التالية:
1. تشكل أوستراليا استنساخا" على طريقة النعجة دوللي للةلايات المتحدة. وذلك بسبب تشابه ظروف النشأة والموزاييك السكاني والمنطلقات السياسية. وهذا ما جعل الأميركيين (وفي مقدمتهم نيكسون في مذكراته) يرون أوستراليا نسخة عنهم باقية بعد زوالهم. ومرشحة لخلافتهم. وتأكد ذلك في العام 1999 عندما دعيت أوستراليا للانضمام الى حلف الاطلسي. وعندما عهد اليها بقيادة القوات الدولية في تيمور الشرقية والبقية تأتي. وهنا يطرح السؤال: لماذا تجاهل المؤلف أوستراليا كبديل للولايات المتحدة مع انها بديل غير عدواني؟.
2. المؤلف بولوني الأصل وهو على اطلاع معمق على دور الفاتيكان في مساعدة بولندا الكاثوليكية على تحسين مستوى معيشتها أثناء الحكم الشيوعي. ومن ثم لاحقا" على دوره في اخراجها من الشيوعية ومساعدتها على التكامل في المجتمع الاوروبي الغربي. عدا التسهيلات التي أمنتها الكنيسة للمهاجرين البولون في انحاء العالم. وعليه فأن الاتحاد الاوروبي المتعثر لا يتعارض مع وجود تجمع كاثوليكي أوروبي قابل للتعولم وقادر على لعب دور مؤثر في السياسة العالمية.والأميركيةالداخلية أيضا" فلماذا هذا التجاهل؟.
3. ان ما يخيف الولايات المتحدة من الصين هو انبعاث قوميتها وليس نظامها الاشتراكي الحالي. فلماذا تجاهل المؤلف امكانية تحويل هذا النظام في الاتجاه القومي؟. وهو تحول كان نيكسون قد حذر منه في مذكراته معتبرا" ان المشاعر القومية في الصين عميقة بحيث تملك القدرة على على تجاوز كل التناقضات والخلافات. وهو أعرب عن دهشته من الاحترام الذي أظهره ماو تسي تونغ تجاه خصمه شان كاي تشك ( متجنبا" ذمه أمام اميركي غريب).
واليوم نحن أقدر على اكتشاف ما حاول المؤلف اخفاءه وتجنبه اظهار علائم القوة الصينية. وهي العلائم التي تبدت للجمهور،بعد صدور الكتاب، في مشاهد غاية في الصدق. منها احتجاج التايوانين (حلفاء اميركا) على قصف السفارة الصينية في بلغراد. ومنها أيضا" تجنب حلف الأطلسي (عبر تعديلاته الاستراتيجية) الاعلان عن وجود مصالح له في المنطقة المحيطة بالصين وعلى تخومها.
4. ان الولايات المتحدة لاتزال ترتعد خوفا" من سيطرة الجنرالات الروس على السلطة. لأن هؤلاء مستعدون لفتح ابواب ترسانتهم العسكرية لدول العالم الثالث لتجنب الواقع الاقتصادي المذل لبلادهم. ولعل توريط هؤلاء في حرب الشيشان خطوة على طريق الخلاص منهم.
5. ان توازن الرعب القائم في الشرق الأوسط لم يعد مريحا" للولايات المتحدة بعد أن تولت قواتها العسكرية تأمين مصالحها في المنطقة. بحيث باتت المنطقة مصدر احراج وانهاك للأدارة الأميركية. فتكاليف الدعم لاسرائيل والحصار للعراق والتعويضات التابعة لهما باتا يشكلان عبئا" على الخزانة الأميركية. وكان السلام أحد أسهل وأقرب الحلول لهذه المشكلة. لكن قناعة أميركية ترسخت ومفادها أن السلام الأميركي مرفوض من جميع الأطراف. خصوصا" بعد أن فقد مصداقيته في مفترقات عدة. منها المسار الفلسطيني الذي وصل الى حدود الاحتيال والابتزاز الاسرائيلي تحت رعاية أميركية عبر عرابة (أولبرايت) تقود جوقة عرابين يهود في الادارة الاميركية.
وهذاالواقع يتطلب تدخلا" اميركيا" حاسما" لفرض تسوية (لأن السلام مرفوض) تحول الشرق الاوسط الى الحرب الباردة ريثما ترسخ الولايات المتحدة أقدامها في الحزام الأوراسي. حيث استثماراتها القوقازية تبلغ حدود ال200 مليار كولار مقابل 40 مليار لاسرائيل. وتلك البلاد كانت بلاد المتهودين الخزر. فهل يمكن للمؤلف أو غيره ان يخبرنا عن موقف الاسرائيلي من العودة الى ارض الخزر لو هي أمنت له رخاء" أفضل مما يحصل عليه في أرض ميعاده؟.
0 التعليقات:
إرسال تعليق
أضف تعليق