![]() | |||
| زهرة الخشخاش - فان جوخ |
يمر حتى الآن 155 عاما على ذكرى ميلاد الفنان العالمي الهولندي "فان جوخ" الذي تعد لوحاته من أغلى لوحات العالم، ويقتنيها العديد من المتاحف العالمية، كاللوفر وغيره.
وضمن هذه المتاحف متحف "محمد محمود خليل وحرمه " الذي يملك لوحة "زهرة الخشاش" أغلى لوحات فان جوخ؛ ولذلك احتفل المتحف بذكرى ميلاده في صالونه الشهري، حيث أقام ندوة حضرها الفنان الدكتور صلاح المليجي رئيس الإدارة المركزية للمتاحف والمعارض الذي قدم الندوة، والفنان الدكتور سيد القماش الذي تحدث عن حياة الفنان فان جوخ باستفاضة، والفنانة ريم بهير مديرة المتحف التي سلمت الدكتور القماش ميدالية المتحف وشهادة التقدير بعد أن أنهى حديثه، ثم ختمت الاحتفالية بحفل التنورة.
تحدث الفنان الدكتور سيد القماش عن سيرة الفنان العالمي فان جوخ قائلا أنه ولد في هولندا عام 1853 في بيئة دينية، وتوفى في عام 1890 . وكان والده قسيسا في قرية صغيرة بهولندا، حيث ورث الفنان عنه ميله إلى الدين. عاش فان جوخ في فرنسا وانجلترا وبلجيكا، واشتغل في صباه بعدة أعمال قبل أن يتجه ميله إلى الفن، حيث أن حياته الفنية لا تتعدى العشر سنوات انتج فيهم نحو 3000 عمل، والتي تعتبر أغلى مقتنيات العالم حاليا.
في بدايته عمل بالدير كواعظ مسيحي ، ثم انتقل إلى الدراسات الفنية لمدة عام في بلجيكا . وبعد ذلك انتقل للعمل في أحد المحلات لبيع اللوحات، ثم تعلم أصول الفن عند أحد الرسامين في بروكسل.
مر فان جوخ بأربعة مراحل : المرحلة الأولى في هولندا رسم فيها الأعمال التي تعبر عن المجتمع والفقراء من الشعب الهوندي، وكانت ألوانه وقتها تتميز بالقتامة والأشكال النيلية . بينما كانت المرحلة الثانية حينما سافر إلى باريس ذات ألوانه مشرقة، حيث غمرت لوحاته بألوان زاهية وتغيرت موضوعاته . وفي المرحلة الثالثة رسم المزارعين في الحقول وأشياءه الخاصة كالأحذية والكراسي وبورتريهاته الشخصية، وفي المرحلة الرابعة رسم الطبيعة الخالصة وأثر الضوء عليها.
كان الضوء هو العامل الأساسي في أعمال فان جوخ، فهو من سمات المدرسة التأثيرية، ولكنه يختلف عن التأثيريين كسيزان وبيسارو في أن الضوء يخرج من قلب اللوحة بشكل انطباعي يتعلق بالخوف والقلق والألم والتوترات النفسية والعصبية وليس الضوء عنده يأتي من خارج اللوحة، فهو أول من لون الشمس بألوان طبيعية وليس العكس.
رسم فان جوخ كل عناصر المجتمع الفرنسي والأنجليزي والبلجيكي لمدة عشر سنوات فقط "فترة حياته الفنية"، ففي بدايته تعامل مع لوحاته بالفرشاة حيث المساحات اللونية الكبيرة ككل المصورين الذين سبقوه . وبعد ذلك تطور أسلوبه ليتعامل مع الفرشاة وسكينة البالتة معا، ثم تخلى عن الفرشاة وتعامل مع لوحاته بسكينة الباليتة فقط، فاصبحت ألوانه كثيفة وخشنة . فهو يتعامل مع اللوحة مباشرا ليخلط عليها الألوان بسكينته بدلا من أن يجهزها أولا على البلته ثم يلون بها على اللوحة كباقي الفنانين وقتها.
ما ميزه أيضا أنه في جميع أعماله حدد الشكل بالخط الخارجي، وهذا كان غريبا جدا عن المدرسة التأثيرية . ويعتبر من تطورات فن التصوير بعد عصر النهضة والتأثيرية، فكان لا يوجد في الفن تحديد لوحات أو أشكال أو ظهور أي ملامس باللوحات.
عندما كان فان جوخ يضع ألوانه كان يحدث له نوبات إنفعالية، وهذا ما جعله في العشر سنوات الأخيرة من حياته ينتابه حالات وأضطرابات نفسية من قوة ضربات الشمس ؛ فبالرغم من الاضطرابات النفسية التي كان يعاني منها إلا أنه كان يؤدي دوره في هذه الأعمال بقوة . وبعد أن ينتهي من العمل كان يترك نفسه للحالة النفسية فيسقط على الأرض مغشيا علية . يقول عنه البعض أنه قطع أذنه ليهديها إلى حبيبته، والبعض الآخر يقول أنه قطعها نتيجة خلافه مع الفنان جوجان صديقه، حين حمل فان جوخ موس ليضربه به، فأراد بعد ذلك أن يعاقب نفسه فقطع أذنه، وآخرون يقولون أنه من الممكن أن تكون هذه الآله هي التي اصابته دون أن يريد.
لا تزيد أعمال فان جوخ التي تعد حاليا إرثا ثقافيا واقتصاديا في متاحف أوروبا وباريس مقاساتها عن 60سنتيمتر × 80 سنتيمتر، فالفنان ليس بمساحة العمل، فالعمل يقيم بما يحتوية من فكر وثقافة وإبداع. 
من أعمال جوخ
صدم فان جوخ مرتين في حياته : الصدمة الأولى حينما أحب خطيبه صديقه ورفضته، أما الصدمة الأخرى فكانت في أبنة عمه التي ابتعدت عنه واهانته وقالت له أنه قبيح، وهذا ما ادخله في حالته النفسية التي تحدثنا عنها.
هذه الآلام هي رمز الإبداع عند فان جوخ ؛ فأعماله مليئة بالإنفعالات والاحاسيس المتأججة والألوان المشعة المضيئة، ولمسات الفرجون التي تنبض بالحيوية، والاحساس بالملمس الخشن العريض المكثف، وفردية الأسلوب والطابع المميز في طريقة الاداء، والعناصر والأشكال التي تتميز بالوضوح وبالألوان التي تساعد على بنائها.
اهتم فان جوخ بالمناظر الخلوية مع البحث عن الحقيقة غير المرئية عن طريق الاحساس بانعكاس الضوء على العناصر الطبيعية، فجاءت من هنا أبحاث الضوء العلمية وتحليله وتحويله إلى لون، وهي أول مدارس التصوير في العصر الحديث، فأعماله تميزت بالأسلوب العاطفي الشخصي في مفهوم الألوان والتعبير الجياش . في بدايته الفنية عام 1880 صور الفلاحين والقرويين والواقع الاجتماعي الذي يعيشه بالتعاسة، ورسم الحياة الباريسية بأكملها، وتأثر بالفن الياباني، كما تأثر بالفنان جوجان وسوراه، واختلف عن سيزان في الكلاسيكية والتعبير عن مظاهر الأشياء بحقيقتها، كما أنه لديه موهبة معمارية، فجميع أعماله بها منظور لوني وشكلي وعنف في الوقت نفسه.
كان فان جوخ يتعامل مع لوحاته بفكرة انتقامية وابداعية معا، وهذا ما يقوله علماء النفس الفسيولوجي، أن فان جوخ يحول اللون على البالت وكأنه في حالة انتقامية للتعبير والتنفيس عن نفسه، من كرهه لشكله، لدرجة أنه يصور نفسه في لوحاته بعد أن قطع أذنه بالموس.
لا يستطيع أي فنان أو شخص في العالم أن لا يتعرف على لوحاته حتى ولو جزء صغير منها، ففي آخر مراحله لم يتعامل مع الأشكال الإنسانية بل جعلها تندمج وتتوه وتعيش وسط عناصر الطبيعة، وبخاصة لوحات حقول القمح، فكان يرى في هذه اللوحات أن الحقول هي الذهب الحقيقي وأن الشمس وتلك الحقول يتعاملون بالتبادل، فالحقول تعطي الشمس الحب والشمس تعطي الحقول الضوء الذهبي العملاق.
تعد لوحاته أكثر بكثير من عمره الذي لا يتعدى 37 عام، كغيره من العباقرة الذين ماتوا في نفس هذا العمر كعبدالهادي الجزار وسيد درويش ومودرياني وآخرون، فهذا شيء غريب جدا ولحظة غريبة لابد أن نبحث فيها بدراسات فسيولوجية وفلسفية ووراثية.
وفي يومه الأخير الذي فارق فيه الحياة انتحر واطلق الرصاص على هذا العقل الجبار الذي يستثمره العالم بأكلمه، بتلك اليد التي ابدعت كل هذه اللوحات بالعنفوان، فلن يموت فان جوخ أبد ولن يقتل حتى ولو قتل نفسه فهو قتل حياته فقط التي لا تتعدى 37 عام

0 التعليقات:
إرسال تعليق
أضف تعليق